الراغب الأصفهاني

401

الذريعة إلى مكارم الشريعة

في بيان ما ورد من الآيات المتفاوتة الظاهر في شأن الدنيا من تصور الوجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها في تناول الدنيا سقطت شبهته فيما ورد من الآيات والأخبار المتفاوتة في الظاهر ، من ذم الدنيا وأعراضها تارة ، ومدحها تارة ، وذلك أن ما جاء من ذمها فاعتبارا بمن رضيها حظا لنفسه ، وجعلها مبلغ مراده ، كما قال تعالى : وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها « 1 » . وما جاء من مدحها فباعتبار تناولها وإنفاقها على ما يحمد ، وعلى ذلك ما قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه : ( الدنيا دار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها . الناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ) « 2 » . وعلى هذين الوجهين مدح تارة عمارة الأرضين فقال تعالى : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها « 3 » ، وقال عليه السّلام : « من غرس غرسا لم يأكل منه طائر ولا بهيمة إلا كان له صدقة » « 4 » . وقد ذم مرة عمارتها فقال تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها « 5 » الآية ، وقد قال عليه السّلام : « الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها » « 6 » .

--> ( 1 ) يونس / 7 . ( 2 ) نهج البلاغة / 384 . ( 3 ) هود / 61 . ( 4 ) لفظ البخاري « ما من مسلم غرس عرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة » البخاري كتاب الأدب / 27 حديث / 6012 فتح الباري / 10 / 438 . ( 5 ) الروم / 9 . ( 6 ) هو في معنى حديث رواه البخاري « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » -